محمد متولي الشعراوي

10273

تفسير الشعراوي

يقول الحق سبحانه : { يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } [ النور : 35 ] . يعني : شجرة زيتون لا شرقية ولا غربية ، يعني : لا شرقية لأنها غربية ، ولا غربية لأنها شرقية ، فهي إذن شرقية غربية على حَدٍّ سواء ، لكن كيف ذلك ؟ قالوا : لأن الشجرة الزيتونة حينما تكون في الشرق يكون الغرب مظلماً ، وحينما تكون في الغرب يكون الشرق مظلماً ، إذن : يطرأ عليها نور وظلمة ، إنما هذه لا هي شرقية ولا هي غربية ، إنما شرقية غربية لا يحجز شيء عنها الضوء . وهذا يؤثر في زيتها ، فتراه من صفائه ولمعانه { يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } [ النور : 35 ] ، وتعطي الشجرة الضوء القوي الذي يناسب بنوتها للشمس ، فإن كانت الشمس هي التي تنير الدنيا ، فالشجرة الزيتونة هي ابنتها ، ومنها تستمد نورها ، بحيث لا يغيب عنها ضوء الشمس . إذن : مَثْلُ تنوير الله للسموات وللأرض مثل هذه الصورة مكتلمة كما وصفنا ، وانظر إلى مشكاة فيها مصباح بهذه المواصفات ، أيكون بها موضع مظلم ؟ فالسماوات والأرض على سعتهما كمثل هذه المشكاة ، والمثل هنا ليس لنور الله ، إنما لتنويره للسموات وللأرض ، أما نوره تعالى فشئ آخر فوق أنْ يُوصَف . وما المثَل هنا إلا لتقريب المسألة إلى الأذهان . وسبق أنْ ذكرنا قصة أبي تمام حين وصف الخليفة ومدحه بأبرز الصفات عند العرب ، فقال : إقْدَامُ عَمْرٍ فِي سَمَاحَةٍ حَاتمٍ . . . في حِلْم أحنفَ في ذَكَاءِ أيَاسِ فجمع للخليفة كل هذه الصفات ومدحه بأشهر الخصال عند العرب ؛ لذلك قام إليه أحد الحاقدين وقال معترضاً عليه : كيف تشبه الخليفة بصعاليك العرب ؟ فالأمير فوق مَنْ وصفتَ .